اديب العلاف
63
البيان في علوم القرآن
حاشا للّه أن يستهزئ بأحد وهو منزه عن ذلك لأن له صفات الكمال والجلال والتقديس . . ولكن المعنى أنّ اللّه سيجازيهم على استهزائهم الذي يعيده عليهم ويرده لهم وهذا ما يسمى بالمشاكلة وهو من البلاغة القرآنية . الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [ طه : 5 - 6 ] . العرش لغة كرسي الملك وظاهر الآية أنّ الرحمن جلس على كرسي الملك وإذا اعتبرنا هذا التفسير فإنّه يجب علينا أن نقول بلا كيف وبلا أين . . ولكن اللّه سبحانه وتعالى لا يشبه مخلوقاته في الجلوس على العرش لأنه جل جلاله ليس بجسم محدود والمقصود أنّ اللّه جل جلاله تم استيلاؤه على ملكه . . وإحاطته بما في ملكوته إحاطة تامة وتصرفه فيه وتدبير أموره بمقتضى حكمته . . أما العرش فقد قيل إنّه مخلوق عظيم يحيط بالكون ومنه تنزل الأحكام والأقدار . ويعلم جل جلاله ما تحت الثرى أي وما في باطن الأرض . إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [ الفتح : 10 ] . إنّ الذين يعاهدونك يا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصلها يبايعونك في بيعة الرضوان . . والبيعة هي أن يستشهد المسلم لقاء رضا ربه وجنته . . إنّما يعاهدون اللّه أي كأنّهم يعاهدون اللّه ويبايعونه . . يد اللّه وحاشا للّه أن تكون له يد محدودة لأنه ليس كمثله شيء . . والمعنى أنّ اللّه مطلع عليهم وحاضر مبايعتهم . . وهذا تأكيد لبيعتهم . وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ آل عمران : 54 ] . ومكروا : وهم الذين أحس عيسى منهم الكفر . . بأن حاولوا أن سلطوا عليه من يقتله ودبروا ذلك في الخفاء . . ومكر اللّه وحاشا للّه أن يمكر وتنزه اللّه عن ذلك . . ولكن المعنى أن رد اللّه مكرهم إليهم بأن دبر لهم تدبيرا محكما . . حيث رفع عيسى عليه السلام إلى السماء . . وجاء اللفظ متجانسا مع المكر